ابن ميثم البحراني
171
شرح نهج البلاغة
بالعرف أنّه مالك بالقياس إلى هو دونه . ثمّ لا يخفى عليك ممّا سلف أنّ قول القوّى والمالك عليه وعلى غيره قول بحسب اشتراك الاسم أيضا . الخامس : وكلّ عالم غيره متعلَّم . لمّا ثبت أنّ علمه تعالى بالأشياء على ما مرّ من التفصيل إنّما هو لذاته ، ولم يكن شيء منه بمستفاد من أمر آخر ، وكان علم من سواه إنّما هو مستفاد بالتعلَّم من الغير ثمّ الغير . من الغير إلى أن ينتهى إلى علمه تعالى الفايض بالخيرات لا جرم كان كلّ عالم سواه متعلَّما وإن سمّى عالما بحصول العلم له ، وكان هو العالم المطلق الَّذي لا حاجة به في تحصيل العلم إلى أمر آخر . السادس : وكلّ قادر غيره يقدر ويعجز . أقول : قدرة اللَّه تعالى تعود إلى اعتبار كونه مصدرا لآثاره . فأمّا قدرة الغير فقد يراد بها قوّة جسمانيّة منبّثة في الأعضاء محرّكة لها نحو الأفاعيل الاختياريّة . والعجز ما يقابل القدرة بهذا المعنى وهو عدمها عمّا من شأنه أن يقدر كما في حقّ الواحد منّا ، وقد يراد بهما اعتباران آخران يتقابلان . إذا عرفت ذلك فنقول : القادر المطلق على كلّ تقدير هو مستند كلّ مخترع وموجود اختراعا ينفرد به ويستغنى فيه عن معاونة غيره وذلك إنّما يتحققّ في حقّ اللَّه سبحانه فأمّا كلّ منسوب إلى القدرة سواه فهو وإن كان بالجملة ذا قدرة إلَّا أنّها ناقصة لتناولها بعض الممكنات فقط وقصورها عن البعض الآخر وعدم تناولها له إذا كانت لا تصلح للمخترعات وإن نسب إليه إيجاد شيء فلأنّه فاعل أقرب وواسطة بين القادر الأوّل سبحانه وبين ذلك الأثر لا لذاته استقلالا وتفرّدا به على ما علم في مظانّه . فكلّ قادر سواه فلذاته يستحقّ العجز وعدم القدرة بالنسبة إلى ما يمكن تعلَّق قدرته به من سائر المخترعات والممكنات وإنّما يستحقّ القدرة من وجوده . فهو إذن الفاعل المطلق الَّذي لا يعجزه شيء عن شيء ولا يستعصى على قدرته شيء . السابع : وكلّ سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات ، ويصمّه كبيرها ، ويذهب عنه ما بعد منها . أقول : حسّ السمع في الحيوان عبارة عن قوّة تنفذ من الدماغ إلى الأذن في